يكتب ياسين أقطاي أن ردّ الفعل السعودي المفاجئ على تطورات شرق اليمن في الأيام الأخيرة من العام الماضي كشف عن مخطط إقليمي واسع ظل يتشكل بهدوء في الشرق الأوسط.
لم يكن المشهد مجرد تطور عسكري عابر، بل لحظة انكشاف لقصة طويلة من الخداع والتطويق، وشريك قدّم مصالحه الخاصة على حساب حلفائه، في مقدمتهم السعودية.
أظهر هذا التحرك أن الصمت السعودي الطويل تجاه اليمن لم يكن غيابًا عن المشهد، بل جزءًا من رؤية أوسع أدركها كثيرون لكنهم تجاهلوا أبعادها.
تشير يني شفاك إلى أن التحالف العربي في اليمن فقد منذ وقت طويل أي صلة حقيقية بالحسم، رغم انطلاقه تحت شعار “عاصفة الحزم”.
رأى الجميع أن الإمارات لا تتصرف كحليف وفيّ، بل كلاعب مستقل يسعى إلى تعظيم نفوذه الخاص.
قاد هذا المسار إلى تفكك اليمن وتحوله إلى بؤرة فوضى دائمة، تُنتج أزمات أمنية مستمرة على الحدود الجنوبية للسعودية، من دون أن يعكس ذلك أي تنسيق فعلي داخل التحالف.
من الشراكة إلى الصدام
لم يكن هذا الانحدار نتيجة أخطاء جماعية بقدر ما كان ثمرة مخطط خفي نفّذه طرف ضد آخر. تجاوز الأمر صراعًا داخليًا يمنيًا، واتسع ليكشف عن رقعة شطرنج إقليمية تمتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن وصولًا إلى القرن الأفريقي. عكست التحركات السعودية حول المكلا، وما تلاها من توترات دبلوماسية، تحول التنافس المكتوم مع أبوظبي إلى سياسة معلنة.
دعمت اتهامات الرياض للإمارات، بشأن مساعدة زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي على الهروب، هذا التحول. عززت تقارير عن انتقاله بحرًا من عدن إلى أرض الصومال ثم إلى الصومال وصولًا إلى الإمارات صورة القطيعة المتنامية. تزامنت هذه التطورات مع تراجع نفوذ المجلس الانتقالي في بعض الجبهات، ما أشار إلى دخول العلاقات السعودية الإماراتية مرحلة تنافس صريح، لا تحالف.
خريطة نفوذ أوسع
يكشف تكرار السيناريو الإماراتي في اليمن وسوريا والسودان والصومال عن مخطط أشمل تتصدره أبوظبي، بينما تستفيد منه إسرائيل في النهاية. يصعب على السعودية تجاهل هذا الواقع، ويبدو أن تحركها الأخير في اليمن يعكس إدراكًا متأخرًا لكنه حاسم لخطورة هذا المسار، ورغبة في وضع حد له.
لم تكن تسوية الأزمة اليمنية، وبناء دولة مستقرة وحدود آمنة للسعودية، مهمة مستحيلة. غير أن الحساسية المشتركة تجاه جماعة الإخوان المسلمين بين السعودية والإمارات ومصر دفعت الجميع إلى خيارات أكثر تعقيدًا.
استُغلت هذه الحساسية، خصوصًا من جانب الإمارات، لتهميش الحلول العقلانية، رغم أن الإخوان يمثلون نسيجًا اجتماعيًا عميقًا في اليمن لا يمكن اقتلاعه. أدى هذا الهوس إلى استنزاف الجهود، وفتح الطريق أمام تطويق أوسع للسعودية ومصر، قبل أن تتضح طبيعة التهديد الحقيقي.
نموذج التفتيت الإقليمي
فتح الدعم الإماراتي للميليشيات المسلحة في اليمن تحت مظلة المجلس الانتقالي، وتسليح قوات الدعم السريع في السودان، مسارًا مشابهًا لاستثمارات إسرائيل في قوات سوريا الديمقراطية. لا تمتلك الإمارات ولا إسرائيل ثقلًا اجتماعيًا حقيقيًا في هذه الساحات، لكنهما تسعيان إلى محاصرة السعودية ومصر وتركيا عبر أزمات حدودية دائمة. يعكس هذا النهج استراتيجية إسرائيلية قديمة تقوم على إضعاف الدول المركزية ومنع تشكل قوى إقليمية قوية.
رغم مساعي التطبيع واتفاقيات أبراهام، يستحيل على إسرائيل النظر إلى السعودية كحليف طبيعي. تكشف العلاقة المتزايدة بين إسرائيل والإمارات عن بعد عدائي بات أوضح. ومع التحركات الأخيرة، يصعب على الرياض تجاهل الخطر الإسرائيلي أو دور أبوظبي في تعميقه.
في هذا السياق، لا تمثل الخطوات السعودية في اليمن مجرد تدخل عسكري محدود، بل تعبيرًا عن وعي متأخر بخطر نموذج التفتيت. أدركت الرياض أن بقاء اليمن ضعيفًا يهدد أمنها وحدودها ومكانتها الإقليمية، وأن سياسات الوكالة التي اتبعتها الإمارات تصب في نهاية المطاف في خدمة استراتيجية تطويق أوسع.
تجمع أمثلة الدعم السريع في السودان، وقوات سوريا الديمقراطية في سوريا، والمجلس الانتقالي في اليمن، وصوماليلاند في القرن الأفريقي، ملامح نموذج واحد يسعى إلى تحويل العالم العربي من دول قوية إلى كيانات هشة سهلة الإدارة. لذلك، لا تتعلق القضية بأزمات داخلية منفصلة، بل بخيار استراتيجي يرسم مستقبل السيادة الإقليمية. أي مقاومة لهذا النموذج ستحدد مصير المنطقة بأكملها، وقد تشكل بداية عودة السعودية لاعبًا مركزيًا على المسرح السياسي الإقليمي.

